محمد جمال الدين القاسمي
465
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ثم يقولون : وما كان غير اللّه فهو مخلوق . وهذا تلبيس منهم . فإن لفظ ( الغير ) يراد به ما يجوز مبائنته للآخر ومفارقته له . وعلى هذا فلا يجوز أن يقال : علم اللّه غيره ولا كلامه غيره . ولا يقال : إن الواحد من العشرة غيرها . وأمثال ذلك . وقد يقال بلفظ ( الغير ) ما ليس هو الآخر . وعلى هذا فتكون الصفة غير الموصوف . ولكن على هذا المعنى ، لا يكون ما هو غير ذات اللّه الموصوفة بصفاته - مخلوقا . لأن صفاته ليست هي الذات . لكن قائمة بالذات . واللّه سبحانه وتعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله . وليس الاسم اسما لذات لا صفات لها . بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها . والصواب في مثل هذا أن يقال : الكلام صفة المتكلم . والقول صفة القائل . وكلام اللّه ليس مبائنا منه . بل أسمعه لجبرئيل ونزّله به على محمد صلى اللّه عليه وسلم . كما قال تعالى : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ . ولا يجوز أن يقال : إن كلام اللّه فارق ذاته وانتقل إلى غيره . بل يقال كما قال السلف : إنه كلام اللّه غير مخلوق . منه بدا وإليه يعود . فقولهم ( منه بدا ) رد على من قال ( إنه مخلوق في بعض الأجسام ، ومن ذلك المخلوق ابتدأ ) فبينوا أنه اللّه هو المتكلم به . ومنه بدا ، لا من بعض المخلوقات . ( وإليه يعود ) أي : فلا يبقى في الصدور منه آية ، ولا في المصاحف حرف . وأما القرآن فهو كلام اللّه . فمن قال : إن القرآن ، الذي هو كلام اللّه ، غير اللّه - فخطؤه وتلبيسه كخطإ من قال : إن الكلام غير المتكلم . وكذلك من قال : إن اللّه له مقروء غير القرآن الذي تكلم به ، فخطؤه ظاهر . وكذلك : أن القرآن الذي يقرؤه المسلمون غير المقروء الذي يقرؤه المسلمون - فقد أخطأ . وإن أراد بالقرآن مصدر ( قرأ يقرأ قراءة وقرآنا ) وقال : أردت القراءة غير المقروء ، فلفظ القراءة مجمل قد يراد بالقراءة القرآن ، وقد يراد بالقراءة المصدر ، فمن جعل القراءة التي هي المصدر ، قال : القارئ غير المقروء . كما يجعل التكلم الذي فعله غير الكلام الذي هو يقول ، وأراد ب ( الغير ) أنه ليس هو إياه - فقد صدق . فإن الكلام الذي يتكلم به الإنسان يتضمن فعلا كالحركة ، ويتضمن ما يقترن بالفعل من الحروف والمعاني . ولهذا يجعل القول قسيما للفعل تارة ، وقسيما منه أخرى . فالأول كما يقال : الإيمان قول وعمل . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : إن اللّه تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم . ومنه قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأيمان والنذور ، 15 - باب إذا حنث ناسيا في الأيمان ، حديث 1242 ، عن أبي هريرة .